ابن المقفع

98

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

واعلم أنّ الناس يخدعون أنفسهم بالتّعريض « 1 » والتّوقيع بالرّجال في التماس مثالبهم « 2 » ومساويهم ونقيصتهم « 3 » ، وكلّ ذلك أبين عند سامعيه من وضح الصّبح ، فلا تكوننّ من ذلك في غرور ولا تجعلنّ نفسك من أهله . * الصاحب الأمثل إني مخبرك عن صاحب كان أعظم النّاس في عيني وكان رأس ما أعظمه عندي صغر الدّنيا في عينه . كان خارجا من سلطان بطنه « 4 » ، فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد . وكان خارجا من سلطان فرجه « 5 » ، فلا يدعو إليه مروءته ولا يستخفّ رأيا ولا بدنا . . وكان خارجا من سلطان الجهالة ، فلا يقدم إلا على ثقة أو منفعة . وكان أكثر دهره صامتا فإذا قال بذّ « 6 » القائلين . . . كان يرى متضعفا مستضعفا « 7 » . فإذا جاء الجدّ فهو الليث عاديا . وكان لا يدخل في دعوى ولا يشرك في مراء ولا يدلي بحجة حتّى يجد قاضيا عدلا وشهودا عدولا . وكان لا يلوم أحدا على ما قد يكون العذر في مثله حتّى يعلم ما اعتذاره . وكان لا يشكو وجعا إلا إلى من يرجو عنده البرء ولا يصحب إلا من يرجو عنده النّصيحة لهما جميعا .

--> ( 1 ) التّعريض : الذمّ غير الصريح . ( 2 ) المثالب : العيوب والمقابح . ( 3 ) النقيصة : جمع نقائص وهي العيوب التي تنتقص من مكانة المرء وسمعته . ( 4 ) خارج من سلطان بطنه : أي بعيد عن شهوات الطعام والشراب . ( 5 ) وقوله : خارجا من سلطان فرجه كناية عن العفّة وعدم الانسياق لشهوات الجنس . ( 6 ) بذّه : غلبه وفاقه وفاخره وسابقه . ( 7 ) استضعفه : وجده ضعيفا .